ما معنى الإمامة في القرآن و الروايات و العرفان الإسلامي؟

img
حكم الائمة 0 ahmed jbh

1ـ الإمامة في اللغة

كلمة الإمام في اللغة مشتقة من “الأم” و كل شيء ضمّ إليه سائرٌ ما يليه أو ظهر منه أو استوحاه يسمى أمّا.[1]و الإمام في اللغة بمعنى القدوة الذي يُطاع.و قد تطلق كلمة الإمام على الشخص أحياناً، و على الحقيقة التي هي محل الإقتداء و المركزية و الإمية (أي الأم و الأصل) إحيانا اخرى. و كل من كانت له حالة كهذه بالنسبة للآخرين يسمّى إماماً حتى لو كان إمام ضلال.

فالإمام يطلق كذلك على مركز و قطب عالم الوجود لأنه أصل و محل رجوع كل ما سوى الله سبحانه. إذن كلمة الإمام التي هي من أصل الأم تعتبر أفضل كلمة تطلق على الإمام المعصوم، كما روي عن الإمام الصادق: “لو علم الله أن أسماً أفضل منه لسمّانا به”.

2ـ الإمامة في علم الكلام

ما يدخل في علم الكلام و أصول العقائد هو مقام الإمامة الظاهرية و الرئاسة الإجتماعية للإمام، و أن الكثير من الناس لا يعرف من الإمامة إلّا الرئاسة و القيادة العامة للمجتمع في الأمور الدينية و الدنيوية.[4] لذلك فالإمام بهذه الرؤية هو الزعيم و القائد الذي يُقتدى به قولاً و فعلاً و عليه مسؤلية قيادة المجتمع. أما ما جاء في القرآن الكريم و روايات أهل البيت عن معنى الإمامة و مقام الإمام فهو يربو على ذلك و يفوقه بحيث لو تحقّقت الرئاسة الإجتماعية لكانت ظهوراً لبعض مقامات الإمام الإلهية فقط، و نحن نعلم من جهة أخرى أن أكثر أئمة الشيعة (ع) و بسبب ظروف مجتمعاتهم قد أُقصوا عن هذا المنصب الظاهري و الأكثر من ذلك قد نالوا الشهادة على يدي حكام الظلم و الجور مع أنهم أئمة. بل إن النبي إبراهيم (ع) و على حدّ تعبير القرآن الكريم قد وصل إلى مقام الإمامة بعد الإمتحانات الكثيرة و بعد رؤية ملكوت السماوات و شهودها كذلك وصل إلى مقام إمام التوحيد و الموحدين لكنه مع ذلك لم يستلم الحكومة الظاهرية و لم يتصدى لها. إذن قيادة المجتمع ليس إلا شأناً من شؤون الإمامة لا غير.

3ـ الإمامة في القرآن

نتناول فيما بعد الآيات التي تشير إلى مفهوم و معنى الإمامة و الإمام في القرآن حيث يمكن فهم الرؤية القرآنية في مجال مقام الإمامة من مجموع هذه الآيات:

1ـ مقام إمامة إبراهيم يفوق مقام نبوته:

“وَ إِذِ ابْتَلىَ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكلَمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ  قَالَ إِني جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَ مِن ذُرِّيَّتيِ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين”.

2ـ كل انسان يدعى يوم القيامة بإمامه: “يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسِ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتيِ‏َ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلا”

3ـ الأئمة يهدون الناس بأمر الله: “وَ جَعَلْنَاهُمْ أَئمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيرْاتِ وَ إِقَامَ الصَّلَوةِ وَ إِيتَاءَ الزَّكَوةِ وَ كاَنُواْ لَنَا عَبِدِين”

4ـ مقام الامامة مطلب جميع المؤمنين من الله تعالى: “وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَ ذُرِّيَّتِنَا قُرَّةَ أَعْينُ‏ٍ وَ اجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا”.

5ـ يريد الله عزّ و جلّ أن يجعل المستضعفين في الأرض أئمة: “وَ نُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلىَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ في الْأَرْضِ وَ نجَعَلَهُمْ أَئمَّةً وَ نجَعَلَهُمُ الْوَارِثِين”

6ـ الوصول إلى مقام الإمامة يحتاج إلى صبر و يقين: “وَ جَعَلْنَا مِنهْمْ أَئمَّةً يهَدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبرَواْ وَ كَانُواْ بِايَاتِنَا يُوقِنُون”.

7ـ إن الله يُحصي كل شيء في إمام مبين: “إِنَّا نحَنُ نُحْي الْمَوْتىَ‏ وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَ ءَاثَرَهُمْ وَ كلُ‏َّ شىَ‏ْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِين”.

8ـ إطلاق الإمامة على الكتاب: “وَ مِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسىَ إِمَامًا وَ رَحْمَةً”.

9ـ من الأئمة: أئمة كفر و أئمة جهنم: ” فَقَاتِلُواْ أَئمَّةَ الْكُفْر”

 “وَ جَعَلْنَاهُمْ أَئمَّةً يَدْعُونَ إِلىَ النَّارِ وَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ لا يُنصَرُون”

تجدر الإشارة هنا إلى أن مقام الإمامة في عقيدتنا و في روايات أهل البيت (ع) كما في المباحث العرفانية هو مقام إمامة الإنسان الكامل الذي هو أعلى من مقام النبوة.

4ـ الإمامة و مقام الإمام في روايات الشيعة

1ـ الأئمة شهداء الله على الناس:

“سئل الإمام الصادق عن قوله تعالى “صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نحَنُ لَهُ عَبِدُون” قال: نزلت في أمة محمد (ص) خاصة في كلّ قرن منهم إمام منا شاهدٌ عليهم، و محمد (ص) شاهد علينا”.

2ـ الأئمة هداة الناس:

عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (ع): (إنّما أنت منذرٌ و لكل قومٍ هادٍ)؟ فقال: رسول الله (ص) المنذر و عليٌّ الهادي. يا أبا محمد هل من هادٍ اليوم؟! قلت: بلى، جعلت فداك، ما زال منكم هادٍ بعد هادٍ حتّى دُفعتُ إليك. فقال: رَحِمكَ الله يا أبا محمد لو كانت إذا نزلت آيةٌ على رجلٍ ثم مات ذلك الرّجل ماتت الآية مات الكتاب، و لكنّه حيٌّ يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى”.

3ـ الأئمة خزان علم الله:

“قال أبو عبد الله (ع): إنّ الله عزّ و جلّ خلقنا فأحسن خلقنا و صوّرنا فأحسن صورنا، و جعلنا خزّانه في سمائه و أرضه، و لنا نطقت الشّجرة، و بعبادتنا عبد الله عزّ و جلّ، و لو لانا ما عبد الله”.

4ـ الإمام خليفة الله و بابه في الأرض:

“وري عن أبي الحسن الرّضا (ع) أنه قال: الإئمة خلفاء الله عزّ و جلّ في أرضه”و قال أبو عبد الله (ع): الأوصياء هم أبواب الله عزّ و جلّ التي يؤتى منها، و لولاهم ما عرف الله عزّ و جلّ و بهم احتجّ الله تبارك و تعالى على خلقه”.

5ـ الإمام نور الله عزّ و جلّ:

“عن أَبِي خالدٍ الكابُليِّ قال: سألت أبا جعفر (ع) قول الله تعالى ـ فأمنوا بالله و رسوله و النّور الذي أنزلنا-؟ فقال: يا أبا خالد النّور و الله الإئمة (ع)، يا أبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشّمس المضيئة بالنّهار، و هم الذين ينوّرون قلوب المؤمنين و يحجب الله نورهم عمّن يشاء فتظلم قلوبهم و يغشاهم به”.

6ـ الأئمة أركان الأرض:

“كان أمير المؤمنين (ع) باب الله الّذي لا يؤتى إلّا منه و سبيله الّذي من سلك بغيره هلك و كذلك يجري الأئمّة الهدى واحداً بعد واحدٍ جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها و حجّته البالغة على من فوق الأرض و من تحت الثّرى. و كان أمير المؤمنين (ع) كثيراً ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنّة و النّار، و أنا الفاروق الأكبر، و أنا صاحب العصا و الميسم، و لقد أقرّت لي جميع الملائكة و الرّوح و الرّسل بمثل ما أقرّوا به لمحمدٍ (ص) و لقد حملت على مثل حمولته و هي حمولة الرّب”.

7ـ لا تخلو الأرض من حجة:

في كلام لامير المؤمنين (ع) يخاطب به كميلاً: “لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّةٍ إمّا ظاهراً مشهوراً و إمّا خائفاً مغموراً لئلّا تبطل حُجَجَ الله و بيّناتُهُ، و كم ذا و أين أولئك؟ أولئك و الله الأقلّون عدداً و الأعظمون عند الله قدراً، يحفظ الله بهم حُجَجَه و بيّناته حتّى يودعوها نظراءهم، و يزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، و باشروا روح اليقين و استلانوا ما استوعره المترفون، و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون، و صحبوا الدّنيا بأبدان أرواحها معلّقةٌ بالمحلّ الأعلى، أولئك خلفاءُ الله في أرضه، و الدّعاة إلى دينه، آه آه شوقاً إلى رؤيتهم أنصرف يا كميل إذا شئت”

5ـ الإمامة أو الولاية في العرفان (نظرية الإنسان الكامل)

يعتبر بحث الإنسان الكامل من أهم البحوث في العرفان الإسلامي و له إرتباط وثيق بنظرية الولاية العرفانية. فالتفاسير التي أدلى بها العرفاء عن الإنسان الكامل و موقعه في نظام الوجود هو نفس الشيء المؤكد عليه في مذهب الإمامية تحت عنوان الإمامة و الولاية التكوينية و…

نشير ذيلاً إلى بعض كلام العرفاء في هذا المضمار:

إبن العربي:

1ـ إعلم أن الولاية فلك محيط بالعالم لذا فهي لا تنقطع.

2ـ كل ما في عالم الوجود هو في تسخير الإنسان الكامل و بعلمه.

السيد حيدر الآملي:

1ـ العقل الأول و الظلّ الأول و كل العالم هو ظلّ ثان و الإنسان الكامل هو حقيقة هذا العقل.

2ـ العقل الأول هو عالم كلّي بسبب إحتوائه على كل كليات حقائق العالم، و النفس الكلية هي عالم كلّي على الجزئيات بدليل إحتوائها على كل الجزئيات، و الإنسان الكامل ـ الجامع للأثنين ـ يعلمها كلها.

القيصري:

1ـ “و مرتبة الإنسان الكامل عبارة عن جمع جميع المراتب الإلهية و الكونية، من العقول و النفوس الكلية و الجزئية و مراتب الطبيعة إلى آخر تنزّلات الوجود، و يسمّى بالمرتبة العمائية أيضاً. فهي مضاهية للمرتبة الإلهية و لا فرق بينهما إلّا بالرّبوبية و المربوبية، لذلك صار خليفة الله”.

2ـ القدرة على الإماتة و الإحياء و أمثال هذه الأمور، من مواصفات الإنسان الكامل.

3ـ فلا يزال العالم محفوظاً، ما دام فيه هذا الإنسان الكامل.

عبد الكريم الجيلي:

1ـ تصرفه في الأشياء لا من قبيل الإتصاف و الآله و الإسم و الرسم، بل (تصرف واقعي) كتصرفنا في كلامنا و طعامنا و شرابنا.

2ـ كل الأسماء و الصفات، قد انقسمت إلى نوعين بالنسبة للإنسان الكامل: نوع منها، على جانبه الأيمن، كالحياة و العلم و القدرة و الإرادة و السمع و البصر و أمثالها، و نوع آخر على جانبه الآخر، كالأزليّة و الأبديّة و الأولوّية و الآخريّة و أمثالها.

3ـ إعلم أن الإنسان الكامل، مساوٍ لكل حقائق عالم الوجود، فبلطافته يساوي العالم العِلوي و بجرمه الجسماني يساوي العالم السِفلي.

عز الدين النسفي:

لا يخفى عليه شيء في الملك و الملكوت. يعلم بالأشياء و بحكمة الأشياء و يراها كما هي

Share Button

الكاتب ahmed jbh

ahmed jbh

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة